محمد جواد مغنية
354
في ظلال نهج البلاغة
ويبسطها نهارا فيجلس عليها ، هذا وثروة الجزيرة العربية كلها طوع ارادته ، وغرضه من حياة التقشف هذه ان يفهم الأجيال ان الحاكم لا يجوز له أن يجمع بين السلطة والثروة ، بين الحكم والترف « وان على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره » . كما قال الإمام ( ع ) أي لا يهيج به ألم الفقر فيهلكه . ( الخاتم لما سبق ) . ختم اللَّه النبوة بنبوة محمد ( ص ) وبرسالته وشريعته ، رسالة السماء إلى أهل الأرض ، والسر شمول الرسالة المحمدية لشتى نواحي الحياة ، فلقد أوضحت بجلاء أسس العقيدة والعبادة ، وعلاقة الانسان بربه وبغيره من الناس في جميع المعاملات والصلات ، ومن مظاهر شمولها انها جعلت العمل الصالح في الدنيا وسيلة السعادة في الآخرة ، واعتبرت تلك مطية لهذه ، بالإضافة إلى أن رسالة محمد ( ص ) أول رسالة رفعت من شأن الانسان ذكرا وأنثى ، ووضعت الأساس الحقيقي للمساواة بين الناس ، ولم تجعل لأحد فضلا على أحد إلا بما يقتضيه الحق والواجب ، فليس رعاية الفقراء فضلا من الأغنياء عليهم ، بل حقا من حقوقهم واجب الأداء ، وليس إنصاف الضعيف أو المظلوم فضلا من الأقوياء أو أولي الأمر ، بل حقا يجب أن يؤدى . وتكلمنا مطولا بعنوان : « لما ذا ختمت النبوة بمحمد » ( ص ) في المجلد السادس من « التفسير الكاشف » عند تفسير الآية 40 من سورة الأحزاب . ( والفاتح لما أغلق ) . كانت العقول قبل محمد ( ص ) مغلقة بالجهل ، والقلوب بالضلال ، فافتتحها محمد بنور العلم والهداية ( والمعلن الحق بالحق ) . أظهر الحق بالأدلة والبينات التي لا ينكرها إلا الطغاة المعاندون للحق والصالح العام ، وقد ابتلي بهم رسول اللَّه ( ص ) ولكن حربهم له كان من أقوى الأدلة وأوضحها على صدقه وعظمته ( والدافع جيشات الأباطيل ، والدامغ صولات الأضاليل ) . كانت حياة البشر قبل الاسلام في ضلال وفساد ، فبعث اللَّه محمدا ( ص ) بالهدى ودين الحق ، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجا بعد أن لاقى صاحب الدعوة في سبيلها ما لاقى من العنت والأذى . ( كما حمل فاضطلع ) . حمل محمد ( ص ) رسالة الحق إلى الخلق ، وبلغها على أكمل وجه بأمانة وإخلاص ( قائما بأمرك ) على ثقله وشدته . . وأي تكليف أشد وأثقل من التكليف بإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، والقضاء على عقائدهم الفاسدة ، وتقاليدهم الموروثة ، وحمل البشرية كلها على مكارم الأخلاق